عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
493
اللباب في علوم الكتاب
فيها قياس ، وتأثر هذا القائل بقراءة جماعة كثيرة « لتصيبنّ » وهي قراءة أمير « 1 » المؤمنين ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، والباقر ، والربيع بن أنس ، وأبي العالية ، وابن جماز . وممّن وجّه ذلك ابن جني ، والعجب أنه وجّه هذه القراءة الشّاذّة بتوجيه يردّها إلى قراءة العامّة ، فقال : « يجوز أن تكون قراءة ابن مسعود ، ومن ذكر معه مخففة من « لا » يعني حذفت ألف « لا » تخفيفا واكتفي بالحركة » . قال : « كما قالوا : أم واللّه ، يريدون : أما واللّه » . قال المهدويّ « كما حذفت من « ما » وهي أخت « لا » في نحو : أم واللّه لأفعلنّ وشبهه » . قوله « أخت لا » ليس كذلك ؛ لأنّ « أما » هذه للاستفتاح ، ك « ألا » ، وليست من النّافية في شيء ، فقد تحصّل من هذا أنّ ابن جني خرّج كلّا من القراءتين على الأخرى ، وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتّة ، كيف يورد لفظ نفي ، ويتأوّل بثبوت وعكسه ؟ وهذا ممّا يقلب الحقائق ، ويؤدّي إلى التّعمية . وقال المبرّد ، والفرّاء ، والزّجّاج : في قراءة العامّة « لا تصيبنّ » الكلام قد تمّ عند قوله : « فتنة » وهو خطاب عامّ للمؤمنين ، ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرّض للظّلم فتصيبهم الفتنة خاصة ، والمراد هنا : لا يتعرّض الظّالم للفتنة فتقع إصابتها له خاصة . قال الزمخشريّ في تقدير هذا الوجه : « وإذا كانت نهيا بعد أمر ؛ فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا . ثم قيل : لا تتعرّضوا للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذّنب من ظلم منكم خاصة » . وقال عليّ بن سليمان : هو نهي على معنى الدّعاء ، وإنّما جعله نهيا بمعنى الدّعاء لأنّ دخول النون في النفي ب « لا » عنده لا يجوز ، فيصير المعنى : لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة ، واستلزمت الدّعاء على غير الظّالمين ، فصار التقدير : لا أصابت ظالما ولا غير ظالم فكأنّه قيل : واتقوا فتنة لا أوقعها اللّه بأحد . وقد تحصّلت في تخريج هذه الكلمة أقوال : النّهي بتقديريه ، والدّعاء بتقديريه ، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفة بتقدير القول . قوله : « منكم » فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنّها للبيان مطلقا ، والثاني : أنّها حال ، فيتعلّق بمحذوف . وجعلها الزمخشريّ : للتبعيض على تقدير ، وللبيان على تقدير آخر ، فقال « فإن قلت : فما معنى « من » في قوله : الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ ؟ قلت : التبعيض على الوجه الأوّل ،
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 212 ، المحرر الوجيز 2 / 516 ، البحر المحيط 4 / 477 ، الدر المصون 3 / 412 .